السيد نعمة الله الجزائري
11
نور البراهين
بصخرتين أو آجرتين من قرب قلعة الترك ، فربما ترددنا في اليوم إلى الشط مرارا وهذا حالنا ، فلما اجتمع عنده صخر كثير أراد أن يبني منزله ، فطلب وكنا نحن العملة ، فبنينا له ما أراد بناه من البيوت . وإذا مضينا معه إلى الحويزة العتيقة وأردنا الرجوع قال يا أولادي تمضون وتمشون من غير حمل ؟ فكان يطلب سمكا عتيقا من أهلها وأشياء أخرى ويقول لنا : احملوه ، فكنا نحمله وماؤه يجري على وجوهنا ، وكنا إذا أردنا كتابة حاشية من كتابه ما يأذن لنا ، لكن ربما أخذنا الكتاب منه سرقة وكتبنا منه بعض الحواشي ، وهكذا كان حاله رحمه الله معنا ، وكنا راضين بخدمته غاية الرضا لبركات أنفاسه الشريفة في الدرس ، وكان طاب ثراه حريصا على الكتب وبقيت بعده عند أزواج بناته لا يعرف لها قيمة ، وهذا كان حالنا في الدرس . وأما بالنسبة إلى المآكل ، فقد قلنا اننا كنا في بيت رجل من أكابرها ، وفي أكثر الأوقات كنا نبقى في المدرسة لأجل المباحثة إلى وقت الظهر ، فإذا مضينا إلى منزل الرجل وجدناهم فرغوا من الغذاء فنبقى إلى الليل ، وقد كان صاحبي يلقط قشور البطيخ والرقي من الأرض ويأكلها بترابها ، وكان يستتر عني بهذا حياء وخجلا ، وكنت أنا أفعل مثل فعله ، فأتيت يوما وطلبته فرأيته قد جمع القشور وجلس تحت الباب يأكلها بترابها ، فلما رأيته ضحكت ، فقال : وما يضحكك ؟ فقلت : لأن هذه حالتي أنا وكل منا يكتم حاله عن الآخر ، فقال : فإذا كان هذه حالنا فنجمع هذه القشور كل يوم ونغسلها بالماء ونأكلها . فبقينا على هذا مدة ، وكنا في تلك المدة نطالع على نور القمر ، وكنت تعمدت حفظ متون الكتب مثل الكافية والشافية وألفية ابن مالك ونحوها ، فإذا كانت الليالي مقمرة كنت أطالع ، وإذا جاءت الليالي السود كنت أكرر قراءة تلك المتون على ظاهر قلبي حتى لا أنساها ، وكان أهل المجلس يجلسون وأنا معهم ، وكنت أظهر لهم صداع رأسي ، فأضع رأسي بين ركبتي وأقرأ تلك المتون وهكذا كان حالي . فبقيت على هذا مدة ، فأتى والدي من الجزائر ، وقال : ان أمكما تريدكما ، فأخذنا معه إلى الجزائر ، وبقينا فيها أياما قلائل ، فرجعنا أيضا إلى الحويزة ، فرأينا رجلا من أهل الجزائر يريد السفر إلى شيراز ، فأخذ المرحوم أخي كتبه وأسبابه ومضى إلى